هو الإمام أبو عبدالله مالك بن أنس الأصبحى الحميرى، ولد عام ٩٣ هجرية، وأصبح فقيه دار الهجرة »المدينة المنورة«، وعالم أهل الحجاز، ومرجع العلماء وطلاب العلوم فى مختلف أنحاء الدولة الإسلامية التى كانت أكبر وأقوى إمبراطوريات العالم. لم تكن شهرة الإمام وتقواه وعلمه لتبعده عن السياسة، وإن كانت من باب »نص الولاة والخلفاء والأمراء«، فموقعه كـ»إمام دار الهجرة«، جعله قبلة لتلاميذ، أسسوا فيما بعد مذاهبهم الخاصة، مثل الإمام الشافعى، هذا الموقع وتلك الشهرة جعلا لنصائح الإمام أكبر الأثر، وأصبحت نصائحه للخليفة هارون الرشيد جزءاً من أدبيات التعامل بين الفقيه والسياسى. وحين قدم الخليفة الرشيد، إلى المدينة المنورة، وهو حاكم أقوى وأكبر دولة فى العالم، دعا الإمام مالك لزيارته، فلم يتحرك الإمام من مكانه، فكرر الخليفة الطلب، فرد الإمام بثقة العالم الجليل موجها حديثه للخليفة: »لا تكن أول من يضع عز العلم فيضع الله عزك«، صدمت الكلمات القوية الواضحة الخليفة فرد على مالك »بل تأتينا حتى نتعلم ونسمع منك«، فأعاد مالك الرسالة قائلا: »أصلحك الله أن العلم يؤتى ولا يأتى«، فلم يجد الخليفة مفراً من الذهاب إلى مقر هذا الفقيه العنيد، ليسمع ويتعلم مثله مثل طلاب العلم من الإمام. كان مالك لا يرى أن حكم الخلفاء الذين عاصروه هو حكم الإسلام ومع هذا لم يقطع صلته بالخلفاء والأمراء، بل كان يرى من الواجب عليه إرشادهم وإصلاحهم، وقد وجد أن وعظ هؤلاء يذهب ببعض ما يقعون فيه، ويقلل من شرهم، وربما حملهم على الصلاح، وكان أخشى ما يخشاه مالك على الولاة والخلفاء المدح الكاذب الذى يجىء على ألسنة من يعيشون حولهم، فإن ذلك المدح يزين لهم أعمالهم فيجعل السيئ حسنا فى نظرهم، والقبيح جميلا، فيرضون عنها، فلا تتسع نفوسهم لإرشاد مرشد، ولا هداية هاد، ولا وعظ واعظ، ولا شىء يؤذى الملوك أكثر من التزكية الكاذبة، وتبرير كل عمل يعملونه من غير نقد ولا فحص، فكان مالك يغضب ممن يثنى على الولاة فى حضرتهم، ويحذر الولاة من هذا الصنف من الناس. وفى رسالته إلى هارون الرشيد وجه له العديد من النصائح ويلاحظ أن الإمام مالك بدأ بالتعامل مع الخليفة وهو عارف لحقه، لذا فهو ينصحه بلطف لا بقسوة ومن نصائحه: »تذكر الله فى كل عمل تعمله، وعليك بتقوى الله فى السر والعلن والتقرب إلى الله بالصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وعدم الغضب، وعدم التكبر والغرور، وعدم الاغترار فيما فى أيدى الناس، وحسن معاملة الناس، عدم كثرة الضحك لأن ذلك يدعو إلى السفه، وإسداء المعروف إلى الناس ومساعدتهم فى عثراتهم. وكظم الغيظ والعفو عن الناس، وعدم الكذب، وإبعاد النميمة عن مجلسه، وعدم الخيلاء والغرور، وإفشاء السلام بين الناس«. وأوضح »مالك« أن العدل أساس الحياة السياسية فى الإسلام، والظلم سبب خراب البلاد، لذلك أكد أنه ليس فوق السلطان العادل منزلة إلا نبى مرسل، أو ملك مقرب، وكما أنه ليس فوق رتبة السلطان العادل رتبة، كذلك ليس دون رتبة السلطان الظالم رتبة لشرير، لأن شره يعم، كما أن خير الأول يعم«. ومن نصائح الإمام للخليفة أن يكون حليما وكريما »فالحلم من أكرم الصفات، وليس للخليفة أن يكون بخيلا، فالبخل يؤدى إلى ذم الخاص والعام وانصراف قلوب الناس واستطالة ألسنة الأعداء فيؤدى ذلك إلى الخيانة على الأمانة، والغش على النصيحة، ثم يفتح للحاشية أبواب قبول الرشى«. ويتابع الإمام: »وأعلم أن التودد من الضعيف يعد ملقا، والتودد من القوى يعد تواضعا وكبر همة، فلا تمتنع من أن تتودد إلى العامة لتخلص لك محبتهم، وتنال الكرامة منهم، واعلم أن الأيام تأتى على كل شىء فتمحو الآثار وتميت الذكر، إلا ما رسخ فى قلوب الناس محبة تبقى بها مناقبك وشرف مساعيك«. يرسم الإمام فى نصائحه طريق »القدوة« فيقول: »على الخليفة ألا يأمر بالمعروف إلا بدأ بفعله، ولا ينهى عن منكر إلا بدأ بتركه، ولا يلم أحداً فيما لا يلوم عليه نفسه، ولا يأمرهم ببر لا يأتمر به، فإن الناس بأخلاق ملوكهم يستنون، وعلى شاكلتهم يجرون، لأنهم العلم والمشار إليه«. نصائح الإمام مالك للخليفة تأتى باعتبارها من أعظم حقوقهم على الرعية، التى أمر الإسلام بها، والتأكيد على أهميتها لما فى ذلك من مصالح كثيرة للعباد والبلاد، وهى من أنواع التعاون على البر والتقوى، فى المقابل ينبغى أن يراعى الناصح لولى الأمر الأسلوب، فيذكرون بالمعروف وينهون عن المنكر بأدب ولطف ورفق ولين، وأن يراعى فى ذلك مكانتهم فى الأمة، وعلو قدرهم فيهم، حتى لا تنتهك حرمتهم وأن يكون سراً فيما بينه وبينهم. توفى الإمام مالك عام ١٧٩ هجرية، وشيعه أهل المدينة المنورة، فيما ظل علمه ممثلاً فى الرسائل، وكتاب »الموطأ« دليل لمن يريد طلب العلم، وفتاواه حجة فى الفقه والحديث والسياسة. منقول